أهم الأخبارمقالات

كل يؤخذ منه ويرد”( الأب العاقل الحكيم ..) بقلم /د.محمد صبحي

إن وجود الأب العاقل الحكيم المتصف بالفراسة في حياة أطفاله يعطيهم من الحماية والرعاية، والقدوة والسلطة والتكامل الأسري، لأنهم بحاجة إلى أن يشعروا بأن هناك إرشاداً يختلف نوعاً ما عما يجدونه عند الغير. لأنه هو الراعي الأساسي للأسرة، بالإضافة إلى الأم. فهما المسؤولان عنهما، فوجودهما في حياة أولادهم يعتبر من العوامل الضرورية. فالقائد الجيد الذي يتحمل المسؤولية ويتصرف بحكمة في الأوقات الصعبة ، بل ويصقل مهاراته ويطور نفسه ويستغل الظروف انطلاقا من الطموح الشخصي والرغبة في النجاح. وتغيير مسار النتائج ويبثّ في وطنه روح الحماسة والمثابرة عند الآخرين بالحكمة والدقة في الكلام والتنظيم وصناعة الحدث والقدرة على اتّخاذ القرار المُهم: لأنها من أهم صفات نجاحه :فهو لا ينتظر الأحداث، بل يصنعها ويؤثر في الآخرين، ويوجّههم لتحقيق الأهداف المطلوبة من خلال رؤيته الثاقبة: لأنه هو الشخص الوحيد يرى ما لا يراه الآخرون، وذلك للفراسة التي اكتسبها من عصارة التجارب الحياتية وافرازا للحوادث والنوازل وتدبر للأمور، التي تأتي نتيجة قناعة راسخة، والله عز وجل:يقول﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ﴾ (البقرة: 269) لأن الحكمة “ضالة المؤمن، حيث وجدها فهو أحق بها”.

  1. وقال البعض (الفِراسة الإيمانيَّة. سببها نورٌ يقذفه الله في قلب عبده، والله عز وجل لم يخلق الخلق عبثاً ولا لعباً، وإنما لحكمة. فالتنبؤ بما سيحدث للإنسان في المستقبل واستعماله آيات القرآن في كلامه على سبيل الاستشهاد والاستدلال على حكم معين، فهو جائز بلا شك، بل إن القرآن هو أصل الأدلة لكن يشترط لذلك أن يكون المستدل على علم بمعنى الآية التي يستدل بها، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: أفرس الناس ثلاثة: بنت صاحب مدين حيث قال: {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ؛وامرأة العزيز حيث قالت: {عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} وأبو بكر حيث استخلف عمر . فكل قائد له رؤية وفراسة ثاقبة عن الأزمات التي ستحدث في المستقبل ليس من باب الخيال والعبث .ولكن لامتيازه بالحكمة والتي هي مزيج ما بين المعرفة والخبرة والفهم العميق في أوقات يصعب فيها التخلي عن مبادئها، وهي قادرة على التقدم لا على الرجوع خطوة للوراء والنظر إلى الصورة بشكل أشمل. فهو دائما يفكر في البدائل مما جعله يتخذ أهم الخطوات الاستباقية التي ظهرت جليا في التعامل مع أزمات كثيرة . فالفراسة ليست علما بالغيب: والاستدلال بالقرآن في موضعه ليس أمرا محرما في حد ذاته كما يزعم البعض ويكثر استشهاد الكثير من الناس بآيات مَساقاتها الكاملة لا تدلُّ على ما استشهدوا به، كما فعَل بعضهم بوَضْع رسمٍ (للدش الفضائي أو أي وسيلة من الوسائل الإعلامية (وكتَب تحتها جزءَ آيةٍ، وهي قوله تعالى: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ}[الحشر( 2).ولو نظرْتَ إلى مَساق الآية كاملًا لعلمْتَ أنَّها في يهود بني النضير، بل الناظر في كلامهم أنه يشتبه المراد بغير المراد ، كالأشجار المتشابهة مع اختلاف أثمارها كالرمّان والزيتون. فإنه لا حرج في الاستدلال بآية نزلت في شيء معين على ما يمكن أن تشمله دلالتها من الأحكام؛ فإن جميع المكلفين مخاطبون بما جاء في نصوص القرآن، بغض النظر عن سبب نزولها أو من نزلت فيه، وهذا ما أكده العلماء بقولهم: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وكثير من الأحكام الشرعية مبنية على هذه القاعدة ولقد كان السابقين رضوان الله من أشد الناس تحرجاً في تفسير القرآن، مع غزارة علمهم، وجودة قرائحهم، واستقامة لغتهم، فعن إبراهيم التَّيْمِي؛ أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه سُئل عن قوله: ﴿ وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ﴾[9].فقال: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني؟ إذا أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم.وهذا ما ذكره لقمان الحكيم عندما سئل: أنَّى أُوتي الحِكْمَة؟ قال: «بشيئين: لا أتكلَّف ما كُفِيت، ولا أضيِّع ما كُلِّفت. ولو سألنا أستاذاً يعلم أحوال تلاميذه: من سيحصل على المركز الأول في نتيجة الامتحان؟ ومن سيرسب؟ فإنه يستطيع أن يحددهم، وهذا ليس علما بالغيب، بل فراسة وذكاء وخبرة في التنبؤ بالنتائج.على العكس من فرعون الذي كان يتحكم في الناس: في حين يصعب عليه التحكم بنوبات الحمى والإسهال وغلبة النعاس. ثم انتقل لمرحلة متقدمة فادعى الألوهية وقال (أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى) فالصحابة يؤخذ من كلامهم ويرد إلا صاحب هذا القبر” مقولة نعرفها جميعا ونؤمن بصحة معناها ولا نختلف عليها اذ هي مستنبطة من قوله تعالى ” وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى”.

ويُفهم من هذا أن كل شخص ماعدا رسولنا الكريم قد يخطئ ويُرد على كلامه حتى وإن كان صحابيا !! فلم يرد من الشرع ما يدل على عصمة الصحابة من الخطأ وهذا ما فهمته تلك المرأة حينما أخطأ سيدنا عمر رضي الله عنه فردت عليه كلامه ،فما كان من الفاروق رضي الله عنه إلا ان يقر بخطئه على الملأ ويقول مقولته الخالدة ” أصابت امرأة وأخطأ عمر. فإن كان هذا ينطبق على الصحابة المبشرين بالجنة فهو ينطبق علينا من باب أولى .وقد جرت عادة العلماء على أن الاستنباط من النصِّ، وتفسيرَهُ له، واجتهادَهُ في تنزيله محلّ أخذٍ وردّ، ولو كانت العقلية العلمية لعلماء المسلمين متحجِّرةً دوّارةً في فَلَكِ أشخاصٍ بأعيانهم ما واكبت الفتوى والدعوة .وبهذا يتّضحُ أن لمقولةِ (كُلٌّ يؤخذُ.) تطبيقها الصحيح الذي مارسه العلماء والعقلاء قديماً وحديثاً.

#د. محمد صبحي . عضو هيئة تدريس بجامعة الازهر. كلية الإعلام

أقرأ أيضا

فتح باب التقدم لحوافز النشر العلمي لأعضاء هيئة التدريس بجامعة الأزهر حتى 11 من ديسمبر القادم

جامعة الأزهر تنظم ورشة عمل للتعرف على المشاريع الدولية المقدمة من الاتحاد الأوروبي

 

بجوائز تتخطى 2 مليون جنيه ..فتح باب التقديم لمسابقة “شيخ الأزهر لحفظ القرآن الكريم

 


“كل يؤخذ منه ويرد” ..بقلم د .محمد صبحي فودة *

 

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: