أهم الأخبارمقالات

هذا ما يفعله التعليم فى وطن ضائع؟

عندما تولى محمد على العظيم حكم مصر (1805-1848) لم تكن هناك دولة ولا شعب ولا وطن، وانما عصابات مملوكية وعثمانية تتقاتل على السيطرة على البلاد وطوائف مهن وشيوخ وفلاحين يبذلون جهدهم لمجرد البقاء على قيد الحياة فى ظل هذا الصراع الضارى، ولكن محمد على أدرك أن السبيل لمواجهة هذا كله وبناء دولة إمبراطورية حديثة سيكون بالتعليم وحده، فبمجرد أن استتب له الأمر أرسل أولى بعثاته التعليمية إلى إيطاليا 1811، ثم إلى فرنسا والنمسا وغيرها، وراح ينشئ المدارس العالية فى مختلف المهن والفنون: المهندسخانة والطب والطب البيطرى والتجاره والزراعة والألسن، فضلا عن المدارس الحربية، بالإضافة للمدرسة التجهيزية وأكثر من خمسين مدرسة ابتدائية، وكانت كل هذه المدارس بالمجان، بل كانت الدولة تنفق على إقامة الطلاب وكسوتهم وطعامعم بالإضافة إلى مصروف شهرى يختلف من مرحلة لأخرى، ووصلت ميزانية التعليم فى عهده إلى مايزيد على ربع مليون جنيه فى وقت لم تزد ميزانية الدولة كلها عن عدة ملايين من الجنيهات
وهكذا لم يكد يمضى على حكم الرجل العظيم سوى ربع قرن حتى كانت مصر دولة إمبراطورية تضم السودان وجزيرة العرب والشام وتهدد الدولة العثمانية ذاتها وترنوا بأطماعها نحو اليونان،

وحفرت الترع واقيمت القناطر الخيرية، وتضاعفت رقعة الأرض الزراعية، وانشأت المصانع الحديثة، وتضاعفت ميزانية البلاد نحو عشرين ضعفا
وفى عهد الخديو اسماعيل (1863-1879) فصلت نظارة المعارف عن نظارة الجهادية، وأنشأت اول مدرسة لتعليم الفتيات وعرفت البنات طريقهن إلى المدرسة الابتدائية، وسمح للأقباط والجاليات الأجنبية بإنشاء المدارس العامة على اختلاف مراحلها، كما نظم التعليم بالأزهر وأسس مدرسة دار العلوم ومدرسة اللسان المصرى القديم كما أسس دار الكتب، وهكذا ارتبطت البلاد بالعصر وبالثقافة الحديثة، وشهدت نهضة صحفية هائلة وبدأت تظهر مدارس الفكر والسياسة

وفى ظل ثورة 1919، وجدت مجانية التعليم طريقها إلى دستور 1923، وتتابعت المجانية للابتدائى ثم الثانوى، وزادت اعداد المدارس بمختلف مراحلها والطلاب زيادة هائلة، وأصبحت الجامعة الأهلية جامعة حكومية عظيمة تقف على قدم وساق مع كمبردج والسوربون فيفخر من تخرج منها من الأجانب ودخلتها الفتيات، وتأسست جامعة الإسكندرية (حامعة فاروق) وجامعة عين شمس (ابراهيم باشا)، وكان يدرس في الجامعة أساطين الفكر والعلم: طه حسين، احمد أمين، لويس عوض، شوقى ضيف، زكى نجيب محمود، يوسف كرمـ، محمود قاسم، مصطفى مشرفة، رشدى سعيد، أحمد عزت عبد الكريم، عزيز سوريال، فؤاد نصحى، سليم حسن وغيرهم وغيرهم

وهكذا عرفت البلاد نهضة اقتصادية هائلة وعرفت الفنون الرفيعة موسيفي وغناء ومسرح وتصوير ونحت، كما عرفت الأحزاب والجماعات السياسية من أقصي اليمين إلى أقصي اليسار، كما عرفت مختلف مدارس الفكر والثقافة والأدب
وفى ظل ثورة يوليو 1952،أصبحت مجانية التعليم تشمل كل المدارس وكل مراحل التعليم من الابتدائى حتى مرحلة الدكتوراة وزادت أعداد الطلاب من البنين والبنات نتيجة ارتفاع مستوى معيشة الناس، ولم تعد هناك مدارس خاصة ولا دروس خصوصية وأنشأت جامعة أسيوط،

وهكذا أصبح خريجوا الجامعات والمدارس أساس للتنمية المستقلة وخططها الناجحة، وأساس بناء المشروعات الكبرى كالسد العالى وأساس نهضة صناعية امتدت من أسوان للإسكندرية وحلوان والتبين وشبرا الخيمة والمحلة والسويس وغيرها
كما كانوا أساس إستيعاب تكنولوجيا السلاح والحرب والذين عبروا القناة وانتصروا فى معركة الشرف والكرامة فى أكتوبر 1973
 دكتور / كمال مغيث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى